ابن تيمية
12
المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية
وأما أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النجاسة وعدم وصولها وقدروه بالحركة ، أو بالمساحة في الطول والعرض دون العمق . والصواب هو القول الأول ، وأنه متى علم أن النجاسة قد استحالت فالماء طاهر سواء كان قليلا أو كثيرا ، وكذلك في المائعات كلها ، وذلك أن الله تعالى أباح الطيبات وحرم الخبائث ، والخبيث متميز عن الطيب بصفاته ، فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطيب دون الخبيث وجب دخوله في الحلال دون الحرام . وأيضا فقد ثبت من حديث أبي سعيد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له : أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ؟ فقال : « الماء طهور لا ينجسه شيء » . قال أحمد : حديث صحيح ، وهو في المسند أيضا عن ابن عباس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « الماء طهور لا ينجسه شيء » وهذا اللفظ عام في القليل والكثير ، وهو عام في جميع النجاسات . وأما إذا تغير بالنجاسة فإنما حرم استعماله لأن جرم النجاسة باق ففي استعماله استعمالها ؛ بخلاف ما إذا استحالت فإن الماء طهور وليس هناك نجاسة قائمة . ومما يبين ذلك : أنه لو وقع خمر في ماء واستحالت ثم شربها شارب لم يكن شاربا للخمر ، ولم يجب عليه حد الخمر ؛ إذ لم يبق شيء من طعمها ولونها وريحها ، ولو صب لبن امرأة في ماء واستحال حتى لم يبق له أثر وشرب طفل وذلك الماء لم يصر ابنها من الرضاعة بذلك . وأيضا فإن هذا باق على أوصاف خلقته فيدخل في عموم قوله تعالى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } فإن الكلام إنما هو فيما لم يتغير بالنجاسة لا طعمه ولا لونه ولا ريحه .